لم تكن دورة ماي 2026 لمجلس جماعة الرباط، المنعقدة مساء الخميس الماضي، جلسة عادية للتدبير المحلي، بل تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين منطق الشفافية ومنطق التصديق الأعمى، حين فجر المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، عمر الحياني، قنبلة داخل القاعة بعدما فضح اتفاقية تقضي بتحويل 400 مليون درهم من ميزانية الجماعة لفائدة شركة “الرباط للتهيئة” دون أدنى ضمانات رقابية.
الحياني، الذي انتقد بشدة الوثيقة المعروضة على التصويت، كشف أنها خلت تمامًا من لائحة المشاريع المزمع إنجازها، ومن أي تفاصيل دقيقة حول طرق صرف هذه الاعتمادات الضخمة. ووصف المستشار الجماعي هذا الفراغ القانوني والمالي بأنه “تعتييم ممنهج” هدفه، وفق تعبيره، “تقزيم الدور الرقابي والتقريري للمنتخبين وتحويلهم إلى مجرد طوابع مطاطية”.
وفي مشهد سياسي بات عاديا في دورات المجالس، لم تجد الفيدرالية أي حليف في موقفها الرافض، إذ اصطفت أحزاب الأغلبية والمعارضة على اختلاف مشاربها – من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، مرورًا بالعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي – في صف واحد لدعم الاتفاقية والتصويت لصالحها. وبقي صوت اليسار الديمقراطي وحيدًا في خانة الرفض، في موقف يجسد حجم الاستقطاب الحاد حول كيفية تدبير المشاريع الكبرى بالعاصمة.
لكن الأمور لم تتوقف عند حدود النقاش السياسي. فالقاعة نفسها تحولت إلى حلبة فوضى، حيث وثقت مقاطع فيديو تعرض الحياني لصافرات استهجان وضجيج عالٍ من طرف أشخاص قال المستشار إنهم جرى “استقدامهم” خصيصًا لمنع صوت الفيدرالية من الوصول إلى الرأي العام المحلي.
واعتبر الحياني، في تدوينته، أن بعض الأشخاص “تم استقدامهم خصيصا للتشويش على مداخلات فيدرالية اليسار ومحاولة منع أعضائها من الكلام”، منتقدا في الوقت نفسه عدم تدخل رئيسة المجلس أو ممثل والي الجهة لتطبيق مقتضيات القانون المتعلقة بالحفاظ على النظام داخل الجلسات وطرد المتسببين في الفوضى من القاعة.
وتفاعلت منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع مع المقاطع المتداولة، حيث رأى ناشطون وحقوقيون أن ما جرى يمثل “انتكاسة خطيرة للديمقراطية التمثيلية” ومسًا صريحًا بحرية التعبير داخل المؤسسات المنتخبة. في المقابل، اعتبر آخرون أن هذا الاحتقان ليس سوى وجه آخر لأزمة أعمق تتعلق بغياب الشفافية في ملفات التدبير المالي التي تثير الجدل في الرباط، خصوصًا فيما يخص شركات التنمية المحلية وجدوى الصفقات المبرمة معها.
من جانبها، نددت الكتابة الإقليمية لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بالرباط، بما تعرض له المستشار عمر الحياني من تضييق خلال أشغال دورة المجلس المنعقدة يوم 7 ماي الجاري، دون تدخل من رئيسة الجماعة لفرض احترام القانون.
وقالت الكتابة الإقليمية للفيدرالية في بلاغ لها إن أشغال الدورة عرفت اختلالات قانونية ودیموقراطية، على رأسها قيام بعض الحاضرين، بتعمد مقاطعة المستشار عمر الحياني بالصراخ والصياح والصفير والتهديد وعرقلة سير الجلسة، بشكل يسيء للعمل الجماعي في عاصمة المملكة.
وحملت “الفيدرالية” المسؤولية الكاملة لرئاسة مجلس مدينة الرباط في التخلي عن صلاحياتها الضبطية لحماية سير المجلس وأعضائه، وفق القانون 113 – 14، وعدم ممارسة الاختصاصات المخولة لها فيما يخص “شرطة الجلسة”، من أجل الحفاظ عن النظام العام داخل القاعة والتصدي للضجيج والمقاطعة والفوضى من طرف بعض الجمهور.
ووصف البلاغ هذا الوضع بـ”المختل والمسيء للعمل الديمقراطي والمحبط لتطلعات الجماهير المغربية، ويكرس موروث التخلف السياسي المتناقض مع الاهداف التنموية الكبرى للمملكة”.
وتساءل ذات المصدر عن أسباب عدم اتخاد أي إجراء نظامي من أجل التصدي لمقاطعة المستشار، بمواجهة كل شخص استمر في إثارة الفوضى وفق القانون التنظيمي.
وأعلنت الفيدرالية عن دعمها لمستشارها، لما يتعرض له من مضايقات داخل مجلس المدينة، بشكل يسيء إلى العمل المؤسساتي وأهداف التنمية والديموقراطية التي تطمح لها البلاد، ودعت رئاسة مجلس المدينة لضمان سلامة المستشارين وممارسة صلاحياتهم الدستورية والقانونية خدمة للمواطنات والمواطنين الرباطيين، سواء كانوا في الأغلبية أم المعارضة.
