في ظل النقاش المتجدد حول واقع الحقوق والحريات بالمغرب، احتضن المركز الثقافي بوكماخ بمدينة طنجة، يوم الجمعة 13 يونيو 2026، أشغال الندوة الوطنية التي نظمها قطاع المحامين والمحاميات لفيدرالية اليسار الديمقراطي تحت عنوان “الحريات العامة بالمغرب بين الالتزامات الدولية وواقع التقييد القانوني والقضائي”، بمشاركة الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي عبد السلام العزيز، والمنسق الوطني لقطاع المحامين والمحاميات علي عمار، إلى جانب الأمين العام لحزب اليسار الاشتراكي الموحد، فضلا عن عدد من النقباء وأعضاء السكرتارية الوطنية لقطاع المحامين بالمغرب، وممثلي كتاب الفروع الحزبية لفيدرالية اليسار الديمقراطي، بالإضافة إلى ثلة من المحامين والصحافيين والحقوقيين والفاعلين الجمعويين الذين شاركوا في مناقشة مختلف الإشكالات المرتبطة بواقع الحريات العامة بالمغرب، في محاولة لفتح نقاش عمومي حول التحديات التي تواجه ممارسة الحقوق الأساسية في السياق المغربي الراهن.
وشكلت الجلسة الافتتاحية مناسبة للتأكيد على مركزية قضية الحريات العامة في النقاش السياسي والحقوقي، حيث أبرز الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي، عبد السلام العزيز، أن التحولات القانونية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب تفرض مساءلة مدى احترام الحقوق والحريات ومدى انسجام التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية للمملكة.
كما شدد على أن الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان يظل من صلب المشروع السياسي للفيدرالية، داعيا إلى تعزيز التنسيق بين القوى الديمقراطية والتقدمية من أجل بلورة بديل سياسي يستجيب لتطلعات المواطنين، خاصة الشباب.
وأجمع المتدخلون خلال أشغال الندوة على أن النقاش حول الحريات لم يعد مقتصرا على مضمون النصوص القانونية والدستورية، بل أصبح مرتبطا بمدى توفر الشروط العملية التي تسمح بممارستها بشكل فعلي.
وفي هذا السياق، قدم الصحافي رشيد البلغيتي قراءة نقدية لواقع الحريات العامة بالمغرب، معتبرا أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية اشتغال السلطة وآليات تأثيرها داخل الفضاء العمومي، وليس فقط في وجود ضمانات قانونية مكتوبة.
وتوقف البلغيتي عند التحولات التي عرفها المشهد الإعلامي المغربي، معتبرا أن أساليب الضبط انتقلت من المنع المباشر والرقابة التقليدية إلى أشكال أكثر تعقيدا تقوم على التأثير في شروط الإنتاج الإعلامي والتمويل والتنظيم المهني، بما يؤدي إلى تقليص شروط ممارسة الحرية دون إلغائها بشكل صريح.

كما أشار إلى أن هذه التحولات أسهمت في تراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، من أحزاب ونقابات وإعلام، خاصة لدى فئات واسعة من الشباب.
من جانبه، تناول المحامي محمد مسعودي الإطار الدستوري والدولي الضامن لحرية الرأي والتعبير، مذكرا بأن الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية المصادق عليها تكفل حرية الفكر والتعبير والصحافة والتجمع وتأسيس الجمعيات.
غير أنه أكد أن القيود الواردة على هذه الحريات يجب أن تظل محكومة بمبادئ الضرورة والتناسب والوضوح القانوني، محذرا من التوسع في توظيف بعض المقتضيات الجنائية التي قد تتحول إلى وسيلة لتقييد النقاش العمومي والتضييق على حرية التعبير.
وفي السياق ذاته، شددت الأستاذة سارة سوجار على أن القضاء يمثل الضامن الأساسي لحماية الحقوق والحريات، معتبرة أن استقلال السلطة القضائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة يشكلان شرطا ضروريا لترسيخ دولة الحق والقانون.
وأبرزت أن القضاء مطالب بأداء دور أكثر فعالية في مراقبة مشروعية قرارات الإدارة وحماية الأفراد من التعسف وضمان التفعيل العملي للمقتضيات الدستورية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
أما الجلسة العلمية الثانية فقد سلطت الضوء على التحديات الجديدة التي فرضها الفضاء الرقمي على حرية التعبير. وفي هذا الإطار، أوضحت الصحافية هدى سحلي أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت إمكانيات غير مسبوقة للتعبير والمشاركة في النقاش العمومي خارج القنوات التقليدية، وأسهمت في تعزيز حضور الفاعلين الشباب والمدنيين، لكنها في المقابل أفرزت إشكالات قانونية وحقوقية مرتبطة بالتشهير والأخبار الزائفة وحدود التدخل القانوني في المجال الرقمي.
بدوره، استعرض الأستاذ محمد النوحي الإكراهات التي تواجه حرية تأسيس الجمعيات، مؤكدا أن هذا الحق، رغم تكريسه دستوريا واعتماد نظام التصريح بدل الترخيص المسبق، لا يزال يصطدم في بعض الحالات بممارسات إدارية تحد من ممارسته الفعلية، من قبيل الامتناع عن تسليم وصولات الإيداع أو التأخر في معالجة الملفات أو التضييق على الأنشطة الجمعوية.
وفي مداخلته حول واقع حرية التعبير والرأي، اعتبر الأستاذ إبراهيم ميسور أن المغرب حقق تقدما مهما على المستوى الدستوري والتشريعي، خاصة من خلال مدونة الصحافة والنشر وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، غير أن استمرار اللجوء إلى مقتضيات القانون الجنائي في بعض ملفات التعبير الرقمي والرأي يطرح، بحسبه، إشكالية التوفيق بين النصوص الضامنة للحرية والممارسة القضائية.
وشهدت مختلف جلسات الندوة نقاشات موسعة بين المشاركين، تمحورت حول سبل تعزيز الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية الحريات العامة، في ظل التحديات التي تفرضها التحولات الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية.
وفي ختام أشغالها، خرجت الندوة بجملة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى ملاءمة التشريعات الوطنية مع المقتضيات الدستورية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، والعمل على إرساء توازن دقيق بين حرية التعبير ومتطلبات الأمن القانوني والمجتمعي، مع الدعوة إلى تأسيس جبهة وطنية للدفاع عن حرية التعبير، وتفعيل آلية العرائض لتطوير آليات الحماية القانونية في هذا المجال.
كما أوصى المشاركون بتعزيز استقلالية وسائل الإعلام وضمان تعددية الآراء وتوفير بيئة مهنية تكفل حرية العمل الصحافي، إلى جانب إخضاع قضايا النشر والتعبير لمقتضيات قانون الصحافة بدل القانون الجنائي.
وشملت التوصيات أيضا نشر ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة الرقمية، وتقوية دور المجتمع المدني والهيئات المهنية في رصد أوضاع الحريات، وتفعيل الحق في الوصول إلى المعلومات باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الرقابة المجتمعية على تدبير الشأن العام.
ولم تغب المطالب المرتبطة بملفات الرأي عن البيان الختامي، إذ دعا المشاركون إلى إطلاق سراح معتقلي حرية التعبير من صحافيين ومدونين، فضلا عن معتقلي الاحتجاجات الاجتماعية، معتبرين أن توسيع هامش الحريات واحترام الحقوق الأساسية يشكلان مدخلا ضروريا لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ المسار الديمقراطي بالمغرب.
وخلصت الندوة إلى أن مستقبل حرية التعبير والصحافة بالمغرب يظل رهينا بمدى القدرة على الانتقال من مرحلة تكريس الحقوق في النصوص إلى ضمان ممارستها الفعلية على أرض الواقع، بما يحقق التوازن بين حماية النظام العام وصيانة الحقوق والحريات، ويعزز بناء دولة الحق والقانون.