كشف عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن الحزب دخل مرحلة متقدمة من الاستعداد التنظيمي والسياسي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، من خلال بلورة برنامج عمل متكامل يقوم على نقاشات داخلية معمقة وندوات موضوعاتية تناولت قضايا أساسية تهم المجتمع المغربي، في مقدمتها التشغيل، والهجرة، والوضع الاقتصادي العام، إضافة إلى الصناعة والقضايا السياسية والمؤسساتية.
وأوضح العزيز في حوار مكتوب مع موقع “تيلكيل عربي”، أن هذه الندوات أفرزت خلاصات أولية يجري حاليا تجميعها واستكمال ما تبقى منها، تمهيدا لعرضها على المجلس الوطني للحزب المرتقب عقده خلال شهر مارس، قصد اعتمادها كمرتكزات أساسية لإعداد البرنامج الحزبي. واعتبر أن هذه المقاربة تعكس حرص الحزب على صياغة برنامج ينبع من تشخيص واقعي ومن نقاش جماعي، وليس من قرارات فوقية معزولة.
وفي السياق نفسه، أعلن الأمين العام أن المجلس الوطني سينعقد يوم 29 مارس، وسيشكل محطة تنظيمية وسياسية مهمة، حيث سينكب على مناقشة ملف التحالفات، وخاصة إمكانية التقدم نحو إطار اتحاد أحزاب يسارية، في ظل النقاش الجاري مع الحزب الاشتراكي الموحد، بعد سلسلة من اللقاءات الثنائية التي جمعت الطرفين خلال الفترة الماضية.
وأشار إلى أن الحزب لا يكتفي بالتحضير المركزي، بل يعمل ميدانيا عبر اجتماعات مجالس الفروع بمختلف المدن، لتقييم الوضع التنظيمي، ودراسة الترشيحات المحتملة، مع انفتاح واضح على إدماج فاعلين من المجتمع المدني وناشطين اجتماعيين ضمن اللوائح الانتخابية. واعتبر أن هذا التوجه يعكس قناعة الحزب بضرورة تمثيل قضايا المجتمع بمختلف تعبيراتها، وعدم حصر الترشيح في المناضلين الحزبيين فقط، خاصة في ملفات المرأة، والقضايا الاجتماعية، ومحاربة الفساد.
وبخصوص التنسيق الانتخابي، أوضح العزيز أن النقاش مع الحزب الاشتراكي الموحد ما يزال في إطار غير رسمي، ويهدف إلى اختبار إمكانية التقدم بمرشح واحد في مختلف الدوائر، الجهوية والمحلية، باسم اتحاد أحزاب يتم الاتفاق عليه سياسيا وتنظيميا. وأضاف أن الحسم النهائي لم يتخذ بعد، مرجحا أن تتضح الصورة مع نهاية شهر رمضان أو بعده مباشرة، من خلال لقاء رسمي يحدد مآل هذا المسار.
في المقابل، أكد أن النقاش داخل المكتب السياسي للحزب يركز أساسا على خيار التحالف مع الحزب الاشتراكي الموحد، دون توسيعه في المرحلة الراهنة ليشمل أطرافا أخرى. وفي هذا الإطار، تطرق إلى المبادرة التي أطلقها حزب التقدم والاشتراكية تحت شعار “وحدة اليسار”، مبرزا أن لقاء واحدا انعقد في هذا الصدد، غير أنه لم يفض إلى تصور واضح، بالنظر إلى اقتصار المقترح على تنسيق محدود في بعض الدوائر، دون رؤية سياسية واضحة لما بعد الانتخابات.
وأوضح العزيز أن الحزب عبّر خلال ذلك اللقاء عن تحفظه على هذا الطرح، معتبرا أن أي تحالف انتخابي لا يمكن أن يكون ذا مصداقية ما لم يقم على أرضية سياسية صريحة والتزام جماعي لما بعد الاستحقاقات.
وأضاف أن الحديث عن وحدة اليسار أمام المواطنين يفقد معناه إذا انتهى بعد الانتخابات بمشاركة بعض الأطراف في الحكومة وتموقع أخرى في المعارضة دون تصور مشترك.
وفي تعليقه على ما صرّح به الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، بخصوص عدم تلقي رد رسمي، أشار العزيز إلى أن الأمر قد يكون ناتجا عن سوء تفاهم، موضحا أنه لم يكن هناك اتفاق على إصدار رد رسمي، لأن المواقف كانت واضحة خلال اللقاء، خاصة في ما يتعلق بسؤال “ماذا بعد الانتخابات؟” وشروط الالتزام السياسي المشترك.
وشدد الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي على أن الحزب لا يرفض من حيث المبدأ المشاركة في الحكومة، لكنه يضع شرطين أساسيين لذلك: أولهما وجود أغلبية منسجمة ذات توجه عام واضح، وثانيهما توفر إمكانية فعلية لتطبيق البرنامج أو جزء منه ضمن تصور حكومي منسجم. واعتبر أن المشاركة الشكلية، دون قدرة حقيقية على التأثير أو ترجمة القناعات إلى سياسات ملموسة، تفرغ العمل السياسي من مضمونه.
وفي هذا السياق، انتقد العزيز طبيعة الحكومات الائتلافية التي تجمع أطرافا متباينة المرجعيات دون مشروع مجتمعي موحد، معتبرا أن استمرار نفس التوجهات الليبرالية أو النيوليبرالية، رغم تغير الأغلبيات ورؤساء الحكومات، يكرس فقدان الثقة في السياسة ويضعف جدوى التعاقد الانتخابي مع المواطنين. وأشار إلى أن تجارب سابقة، من بينها تجربة حكومة عبد الرحمن اليوسفي، لم تحقق التحول المنتظر، رغم الشعارات المرفوعة، بسبب غياب الانسجام والشروط السياسية الضرورية.
وعلى مستوى التغطية الانتخابية، أوضح العزيز أن الحزب راكم تجربة مهمة في تغطية عدد كبير من الدوائر خلال الاستحقاقات السابقة، سواء في إطار التحالف الثلاثي داخل الفيدرالية أو في التنسيق مع الحزب الاشتراكي الموحد، حيث جرى تغطية ما بين 80 و90 دائرة. غير أن الإشكال، بحسبه، لا يكمن في توفر المرشحين بقدر ما يرتبط بالإمكانيات المادية واللوجستيكية، في ظل كون مناضلي الحزب أطرًا وفاعلين سياسيين لا يعتمدون على المال الانتخابي.
وختم العزيز بالتأكيد على أن النقاش الداخلي ما يزال مفتوحا بخصوص تحديد الأولويات والمناطق التي ينبغي التركيز عليها، في أفق بلورة تصور انتخابي واقعي يوازن بين الطموح السياسي والإمكانات المتاحة، ويحافظ في الآن ذاته على انسجام الخطاب والممارسة داخل حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي.
