عبد السلام العزيز: الحكومة تواصل تفكيك الدولة الاجتماعية والمعارضة مشتتة أمام واقع متأزم

مدة القراءة: 6 دق.
عبد السلام العزيز: الحكومة تواصل تفكيك الدولة الاجتماعية والمعارضة مشتتة أمام واقع متأزم

في حوار سياسي مطول مع برنامج “ضيف وسياق” على أثير إذاعة “كاب راديو”، شن عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، هجوماً لاذعاً على السياسات الحكومية، واصفاً إياها بالتراجعية والمخالفة لكل ما تزعمه من توجه نحو بناء دولة اجتماعية.

واتهم عبد السلام العزيز الحكومة الحالية بإفراغ الشعارات من مضامينها، وبتنزيل مشاريع قوانين دون أي مقاربة تشاركية، مما يعمق فقدان الثقة بين المجتمع والدولة.

في مستهل الحوار، استعرض العزيز موقف حزبه من اعتراض سفينة “الحرية” المتجهة نحو غزة، مشيراً إلى أن فيدرالية اليسار كانت سبّاقة إلى توجيه مراسلة رسمية إلى رئاسة مجلس النواب، ووزير الخارجية تنديداً بهذا الاعتداء.

واعتبر أن ما يجري في القطاع هو إبادة جماعية تتم في ظل تواطؤ بعض الأنظمة العربية وصمت المنتظم الدولي، قائلاً: “التاريخ لن يرحم أحداً، لا من صمت ولا من تواطأ”.

قانون المجلس الوطني للصحافة: ضربٌ للحرية

وانتقل العزيز إلى انتقاد مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، واصفاً إياه بـ”الخطر الحقيقي” على حرية التعبير وحق المواطن في الوصول إلى المعلومة.

وأكد أن القانون جرى تمريره في غياب أي حوار جدي مع المهنيين، مشيراً إلى أن الصيغة المعروضة تحمل روحاً “ضبطية تقنينية سلبية”.

ولم يخفِ الأمين العام استغرابه من منح امتيازات التصويت في المجلس للمؤسسات ذات رقم المعاملات الأكبر، مما يعيد ـ بحسبه ـ منطق “المال مقابل الصوت”، وهو تصور تجاوزه العالم منذ قرن.

وأضاف أن وجود صلاحيات تأديبية ممنوحة لمؤسسة صحافية تجاه أخرى هو أمر لا يستقيم قانوناً، معتبراً أن القضاء هو وحده المخوّل للبت في مثل هذه النزاعات.

المسطرة الجنائية وتضييق الخناق على محاربة الفساد

وفي معرض تقييمه لمشروع قانون المسطرة الجنائية الذي صودق عليه مؤخراً، عبّر العزيز عن قلقه العميق من مقتضيات المواد الجديدة، خصوصاً تلك التي تحد من قدرة المجتمع المدني والنيابة العامة على التبليغ عن الفساد.

وقال عبد السلام العزيز، أن “هذا القانون يمنح الفاسدين حصانة غير معلنة، ويوجه رسالة خطيرة للمجتمع مفادها أن الفساد مباح”.

وانتقد العزيز أيضاً تغييب صوت المحامين، والحد من صلاحيات القضاء الجالس، مشيراً إلى أن المسار التشريعي الحالي يعكس إرادة واضحة في ضرب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

وفي تشخيصه لكلفة الفساد على الاقتصاد الوطني، استند عبد السلام العزيز إلى تقارير رسمية، مؤكداً أن المغرب يخسر حوالي 50 مليار درهم سنوياً بسبب الفساد. رقم “مخيف جداً”، على حد وصفه، يكفي لتشييد آلاف المدارس والمستشفيات، ولتأهيل التعليم والصحة العموميين.

وأضاف عبد السلام العزيز، أن الفساد لا يقتصر فقط على المنتخبين، بل يمتد إلى مستويات عليا داخل الدولة، مبرزاً استغلال المعلومات الداخلية والصفقات العمومية كأهم بوابات الإثراء غير المشروع.

لا دولة اجتماعية بدون مساواة وعدالة

وفي تقييمه لأداء الحكومة، اعتبر العزيز أن شعار “الدولة الاجتماعية” الذي ترفعه الحكومة مجرد “حبر على ورق”.

وقال الأمين العام لـ”الرسالة” “لا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية والمواطن يضطر للجوء إلى التعليم والصحة الخاصين، أو يتحمل أعباء مالية خانقة للعلاج والتعليم”.

وأشار إلى أن أكثر من ربع القدرة الشرائية للأسر تبخرت في ظرف سنتين، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية بنسبة تفوق 23% دون أن تقابلها زيادات ملموسة في الأجور أو تحسين في الخدمات.
كما تحدث عن هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية، من التقاعد إلى التأمين الصحي، وصولاً إلى دعم العاطلين، متسائلاً: “كم مغربي اليوم يتلقى تعويضاً عن البطالة؟ الجواب: لا شيء تقريباً”.

المحروقات والريع الاقتصادي

وسلط عبد السلام العزيز الضوء على ما اعتبره “نهباً ممنهجاً” للثروات الوطنية من قبل أقلية محظوظة، مستشهداً بأرباح شركات المحروقات التي قدرت بـ80 مليار درهم منذ تحرير القطاع سنة 2016، وقال: “الثروة في المغرب لم تعد تُنتج، بل تُنهب عبر صفقات، ومضاربات، واستغلال مواقع القرار”.

واعتبر أن هذا الشكل من “التراكم غير المنتج لرأس المال” يخلق اختلالات خطيرة، ويهدد التماسك الاجتماعي، مشدداً على أنه “لا يمكن بناء تنمية دون استقرار، ولا استقرار دون عدالة اجتماعية”.

الديمقراطية الغائبة.. ومعارضة مشتتة

وفي ما يخص الوضع السياسي العام، أقر العزيز بأن البلاد تعرف تراجعاً ديمقراطياً منذ سنوات، متحدثاً عن غياب أي “نفس ديمقراطي” حقيقي لدى الحكومة، واستمرار الممارسات القديمة رغم دستور 2011.

أما عن المعارضة، فرأى أنها تعاني من التشتت والانقسام، ولا تحظى بتصور موحد لما بعد 2026. وقال: “البعض في المعارضة يعارض فقط لأنه خارج الحكومة، والبعض الآخر له حدود في تصوره للنموذج الاقتصادي والاجتماعي، وهناك فئة ثالثة عاجزة أو خائفة من فقدان الامتيازات”.

وانتقد العزيز “ابتذال الممارسة السياسية” و”انجرافها نحو التهريج”، مؤكداً أن العمل السياسي فقد الكثير من نبله، وأن عدداً من الفاعلين السياسيين الحاليين يفتقدون للتكوين والرؤية، ما يجعلهم عاجزين عن اتخاذ القرارات الضرورية في اللحظات الحاسمة.

وعن أفق اليسار المغربي، دعا عبد السلام العزيز إلى توحيد الجهود، مذكراً أن فيدرالية اليسار الديمقراطي لا تزال تعتبر أن توحيد فصائل اليسار أولوية نضالية، رغم صعوبة الظرف السياسي. وختم قائلاً: “من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا بد من جبهة اجتماعية وديمقراطية واسعة تُعيد للمواطن ثقته في السياسة، وتقطع مع الريع والفساد والتسلط”.

شارك هذا المقال
اترك تعليقا